السيد محمد الصدر

119

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ولقد ذكرت ذلك مفصّلًا في أبحاث علم الأُصول « 1 » ، وقد أثبت دلالة الزمان على الماضي ، ونفيت الأدلّة التي أقاموها على استحالة هذا المطلب بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى . والجواب الحقيق في المقام : أنَّ ( كان ) لا تفيد الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل ، وليس معنى ذلك أنَّ الفعل لا يدلّ على مطلق الزمان ، بل مطلق الفعل يدلّ على الزمان ، إلّا أنَّ هذا الاستعمال ل - ( كان ) له خصوصيّةٌ وله قرينةٌ عامّةٌ أو قرينةٌ ارتكازيّةٌ تدلّ على أنَّه لا يدلّ على الزمان ؛ لأنَّ ( كان ) هنا تفيد الشأنيّة ، أي : من شأنه أن يكون كذا ، وليس الزمان ، ولهذا المعنى قرينةٌ عقلائيّةٌ وعرفيّةٌ وارتكازيّةٌ . وهذه الشأنيّة لا يختلف فيها إن نسبت إلى الخالق أو إلى المخلوق ، ونسبتها إلى الخالق قد عرفناه من قبيل قوله تعالى : كَانَ غَفُوراً رَحِيماً « 2 » أي : من شأنه أن يكون غفوراً رحيماً ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً « 3 » أي : من شأنه أن يكون كذلك . وأمّا في نسبتها إلى المخلوقين فكذلك نحو قوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى « 4 » أي : ليس من شأن النبي أن يكون له أسرى . وهذه الشأنيّة محفوظةٌ في الأزمنة الثلاثة . ونحوه قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ « 5 » أي : منفكّين عن أديانهم ، بمعنى : ليس من شأنهم أن يفارقوا دينهم إلّا بقيام حجّةٍ واضحةٍ

--> ( 1 ) راجع منهج الأُصول 86 : 2 - 91 ، الفصل الثالث ، دلالة الأفعال على الزمان . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 6 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 94 ، وسورة الأحزاب ، الآية : 2 . ( 4 ) سورة الأنفال ، الآية : 67 . ( 5 ) سورة البيّنة ، الآية : 1 .